المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف : قصة قصيرة

وسيسمة الحدأة الجميلة

      "وسيمة" الحدأةُ الجميلة   كان كمال حين يخرج إلى الطريق الرئيسي وغير بعيد عن الحيّ يلتفت إلى دار الحاج سليمان فيتهيّب من ضجّتها الفوّارة بالحركة والجمال والغنى. وكانت وسيمة كبرى البنات. درست الابتدائيّة معه. شعرها شديد السواد يلمع كأنّ قمرا فوقه يضيئه دائما، وعينان سوداوان تجري فيهما نجيمات الذكاء، أما قوامها فهو ممتدّ كنخلة مثل أبيها وأشقائها، وصوتها يترجرج ويرتعش كنغمات مراوغة من لحن الرقّة والفخامة. وأما إذا زلزلها الغضب يصبح صوتها رعدا يرجّ السامعين رجّا. يتذكّر كمال مرّة أنه كان مارّا مع إحدى قريباته وفدت من سوسة مع أهلها إلى دار الجدّ. وأرادت أن تُسلّم على أم كمال على عجل. كانت هي أيضا جميلة وجذّابة نبتت في كورنيش الدلال على بعد خطوات من نزل كروان قبالة بحر بوجعفر في أمتع الأماكن بجوهرة الساحل سوسة. رأتها وسيمة وكانت تلعب مع أختيها على دكّة واسعة أمام بيتهنّ، فغمغمت قليلا ثم فجأة اقتحمت الطريق وانقضّت على الصبيّة تضرب وجهها وتقبض على شعرها تجذبه إلى الأرض جذبا عنيفا وهي تصرخ وتكرّ أسنانها كرّا مخيفا مثل لبؤة جائعة. فبانت وسيمة بعد الدلال وا...

غبار القلوب

  غُبار القُلُوب     كان "الطاهر" وحيدَ أبويْه، مُدلّلا عزيز أمّه. تعلّم في عام الواجب العسكريّ حِرْفة التركيب الكهربائي والالكتروني. ولما نزع بدلته وخوذته عاد إلى حياته المدنية وفتح دُكانا لإصلاح الراديوهات وأجهزة التلفاز المعْطوبة وبدأت حياته تْزْهر وعمله يطرح الثمرات. فرأى والداه أن يُزوّجاه وقد تجاوز العشرين من عمره قليلا. أنجبت له زوجته بنتا وأربعة أولاد. ولم يبلُغ أكبرهم ست عشرة سنة حتى بدا له أن يُطلّقها ويتركها وبنِيها من أجل امرأة أخرى مُنشّطة أعراس وراقصة معروفة من قرية قريبة. عرفها عندما بدأ العمل في حفلات الليل والنساء بالأبواق والأضواء وكاميرا التصوير. كان أبوه "الحاج عليّ" مؤذّن الجامع الكبير، مُولعا بتحفيظ أحفاده القرآن حتى تمكّن "سامح" أكبرُهم من حفظ خمسة أحزاب كاملة. كانوا تاج حياته عوض أبيهم الطائش اللّاهي. ولمّا تُوفّي راح الطاهر يبيع ميراث أبيه ضيعة وراء ضيعة ثم تخلّص من دار ذات قيمة في وسط المدينة. وسرعان ما أنفق أكثر مالها على أهله الجدد. وقيل إن امرأته الراقصة ابتزّته واستدرجته بدلالها وخبثها الناعم ليكمل بناء دارها من ...

التخلّي المرّ

  التّخلّي المرّ     هل لك أن تُقرضني ما يكفي دكان عطارة؟ أنت تعرفني سي محسن وتعلم ما وصلت إليه حالي. أقرضني أسدّد لك دينك شهريا بما يفتح الله عليّ. وأنا تاجر جيّد ومحاسب متقن. ولولا أزمة الطلاق وخروجي من وظيفتي بدسائس الحاسدين لما أفلست أواحتجت أن أكلّمك أو أثقل عليك. ساعدني سي محسن أن أفتح دكاني وأسعى فيه لتحصيل الحلال من الرزق والبركة فيه، وأن أبني حياتي مع امرأة أوفى وأنقى ممن باعت عشرتي وغدرت مائي وملحي. أهلا أهلا صديقي فؤاد. أنا لا أنسى فضلك عليّ ومزاياك القديمة. أنت أخي وما يسرّني أن أراك مهضوم الحق وفارغا من قيمة. ولكنّي لا أملك هذه المدّة إلا أن أعطيك ما في جيبي الآن. وسحب مائة وخمسين دينارا، ثلاث ورقات من جيبه واضحات لامعات . وقال: أزمة المقاولات مستفحلة وسعر البنزين قد اشتعل ثمنه وارتفع وأغلب شاحناتي معطوبة وكثير من الحرفاء ممن زوّدتهم بمواد البناء لم يسدّدوا لي ثمنها منذ أعوام وقد شكوتهم إلى المحكمة وأنت تعرف مسارات التقاضي المرهقة الطويلة والمكلّفة. ولكنّ لي نصيحة سي فؤاد خيرا مما في جيبي. اذهب إلى السيد المعتمد وقدّم طلبك في تزويد الدكان ...

خيبة مالك

  خيْبةُ مالِك     كان مالك تلميذا رصينا هادئ الطبع، مجتهدا على أوراق الاختبارات، وبارع في قنص الأعداد والعلامات الجيّدة. ولكنه قليل الكلام بل عاجز عنه في أكثر الأحيان. ورغم ذلك لم تفُتْه المراتب الأولى وجوائز آخر السنة الدراسية من كلّ عام. وقد يكلّمه المعلّم ويسأله فيجيبه مرّة وتهرب منه الإجابات فجأة فيبتسم ببلاهة ثمّ يحمرّ وجهه ويصمت صمت القبور. فيصرخ فيه : انطق ،تكلّم يا مالك. مالك؟ قد يمرّ إلى غيره وقد يلطمه أحيانا غيظا ونقمة. ولم يكن مالك ثقيل اللسان في مقعد الدراسة فقط. فحتى مع رفاقه وجيرانه. فيقولون: كم أنت هادئ و"عاقل" يا صديقنا. تحرّك قليلا وأجبْ من يدعوك أويسألك، ولا تكن صنما. بادرْ ودافعْ عن نفسك. وهمس له صديقه أحمد مرّة قائلا: تلك الفتاة. أرأيتها؟ انظرْ. لا تكفّ عن النظر إليك. إنها منبهرة بك. كلّمها وادعُها تجلسْ رفقتك في المقعد. وتأتي إلى جانبه ساعة الفرنسية. لم يدْعُها. قد تكون صدفة تلاقت عليها القلوب. ولكنه أحسّ شيئا آخر، ربما تكون مؤامرة. كلّمته ورمت إليه طرفا خفية فتضاحك دون أن ينظر إليها، واحمرّ وجهه. ثم التفت حوله فوجد الرفاق يتهامسون ...

وسيمة الأفعى الجميلة

     "وسيمة" الأفعى الجميلة   كان كمال حين يخرج إلى الطريق الرئيسي وغير بعيد عن الحيّ يلتفت إلى دار الحاج سليمان فيتهيّب من ضجّتها الفوّارة بالحركة والجمال والغنى. وكانت وسيمة كبرى البنات. درست الابتدائيّة معه. شعرها شديد السواد يلمع كأنّ قمرا فوقه يضيئه دائما، وعينان سوداوان تجري فيهما نجيمات الذكاء، أما قوامها فهو ممتدّ كنخلة مثل أبيها وأشقائها، وصوتها يترجرج ويرتعش كنغمات مراوغة من لحن الرقّة والفخامة. وأما إذا زلزلها الغضب يصبح صوتها رعدا يرجّ السامعين رجّا. يتذكّر كمال مرّة أنه كان مارّا مع إحدى قريباته وفدت من سوسة مع أهلها إلى دار الجدّ. وأرادت أن تُسلّم على أم كمال على عجل. كانت هي أيضا جميلة وجذّابة نبتت في كورنيش الدلال على بعد خطوات من نزل كروان قبالة بحر بوجعفر في أمتع الأماكن بجوهرة الساحل سوسة. رأتها وسيمة وكانت تلعب مع أختيها على دكّة واسعة أمام بيتهنّ، فغمغمت قليلا ثم فجأة اقتحمت الطريق وانقضّت على الصبيّة تضرب وجهها وتقبض على شعرها تجذبه إلى الأرض جذبا عنيفا وهي تصرخ وتكرّ أسنانها كرّا مخيفا مثل لبؤة جائعة. فبانت وسيمة بعد الدلال والن...

غد لا يشرق

    غدٌ لا يُشْرق     من أجمل ما يعِد به الزواج غدٌ مشرق بالأفراح وطفلٌ تولد معه الأماني التي تحوز العالم كله مدى البصر وشغف القلب. شبّان بلغوا عنفوان العقل والجسد. ورأوا بفتوّتهم أنّهم قادرون على امتلاك المستقبل والخبز وكلّ أزاهير الكرامة والخير. ثم تتحوّل قصص المودّات بين زوج وزوجة إلى روايات تتوالد فيها الأحداث والعُقد.   فتتعْيّر بسرعة شهور النّوم المخملي وتذوب المشاعر العسليّة شيئا فشيئا في فناجين يشربها الناس على عجل بسبب العمل. ثم تسمع نغنغة الأطفال في كل منزل جديد. وما كان أجْملهم وأحلى عيونَهم الزّرقاء والسوداء والبنّية والخضراء والنجلاء والحوراء Ị وما أصفى صفحات الوجوه وأنعم ملمس البشرة والوجنات Ị وبعد حصص الحبْو المضحكة، يخرج الجمْع إلى الحيّ ليلعبوا في الشارع الضيّق بين المساكن الصغيرة. فيجرون ويتعثرون ويصرخون غضبا وفرحا حول لعبة قديمة أو قطعة خبز مغموسة بالمرق الحارّ.   وها إني أسمع من نداءات الجدّات والأجداد أسماءهم : "يا إسلام   يا أيّوب يا يوسف يا يعقوب   يا عبد الحقّ   يا هبة الله يا تسنيم   يا إسراء ، ي...

وتستمرّ الرحلة

  وتستمرّ الرّحلة   تقلّب كمال بين أمكنة ووظائف كثيرة. ترك أخيرا حيّه الشعبيّ وكلّ الجيران واختار أن يحمل نفسه المتعبة وأهله ويرتفع بهم إلى الطابق الخامس من عمارة جذّابة في حيّ آخر. كانت شُقّة واسعة ومريحة. صار كمال يُطلّ من علٍ، من نافذة على طريق خالية إلا من ضجّة يحدثها العابرون من ممرّ مُّنْزوٍ هادئ رغم وجود مصنع للخياطة وشركة لبيع المواد الغذائية بالجملة في طرفيْ النهج. إنه حيّ راق تتوفّر فيه كلّ أسباب الرفاهية.   ولكنّ بيوتا تختفي بين العمارات الفخمة. بدت لكمال أعشاشا مُهْملة كتلك البيوت القصديرية التي نشأت وتكدّست بأطراف العاصمة في عهد بورقيبة. يخرج منها أطفال سمْر حُفاة وفي أيديهم قطع خبز يقضمونها وهم يلعبون بكرة من قماش ! وفي ركن غير بعيد، أكياس متسخة واسعة تُرْمى فيها قوارير بلاستيكية وأجسام أخرى كشواحن الراديو الفاسدة والبلورات المكسرة التي تناثرت شظايا على عرض الطريق وقطع خبز يابسة تلوّنت بأحمر المرق وأصفر الزيوت وقاتم الغبار. وسرعان ما اختار كمال بعد التقاعد أن يُطلّ أيضا على ماضيه مع الجيران القدامى ويتأمل حاضره ويرسم حياته من جديد. ففتح كرّاسا وبد...