التخلّي المرّ
التّخلّي المرّ
هل لك أن تُقرضني ما يكفي دكان عطارة؟
أنت تعرفني سي محسن وتعلم ما وصلت إليه حالي.
أقرضني أسدّد لك دينك شهريا بما يفتح الله
عليّ. وأنا تاجر جيّد ومحاسب متقن. ولولا أزمة الطلاق وخروجي من وظيفتي بدسائس
الحاسدين لما أفلست أواحتجت أن أكلّمك أو أثقل عليك.
ساعدني سي محسن أن أفتح دكاني وأسعى فيه
لتحصيل الحلال من الرزق والبركة فيه، وأن أبني حياتي مع امرأة أوفى وأنقى ممن باعت
عشرتي وغدرت مائي وملحي.
أهلا أهلا صديقي فؤاد. أنا لا أنسى فضلك عليّ
ومزاياك القديمة. أنت أخي وما يسرّني أن أراك مهضوم الحق وفارغا من قيمة.
ولكنّي لا أملك هذه المدّة إلا أن أعطيك ما
في جيبي الآن. وسحب مائة وخمسين دينارا، ثلاث ورقات من جيبه واضحات لامعات . وقال:
أزمة المقاولات مستفحلة وسعر البنزين قد اشتعل ثمنه وارتفع وأغلب شاحناتي معطوبة
وكثير من الحرفاء ممن زوّدتهم بمواد البناء لم يسدّدوا لي ثمنها منذ أعوام وقد
شكوتهم إلى المحكمة وأنت تعرف مسارات التقاضي المرهقة الطويلة والمكلّفة.
ولكنّ لي نصيحة سي فؤاد خيرا مما في جيبي.
اذهب إلى السيد المعتمد وقدّم طلبك في تزويد
الدكان بالبضاعة اللازمة وسأهاتفه يعنك في الأمر.
لم يندهش سي فؤاد من ردّ التاجر الجهبذ صديقه
القديم. كان يعرف طبعه الجشع من قبل ولجاجته فيما يخصّ كل نفقاته المالية.
ولكنه لم يتخيّل وقوعه أمامه في هذا القاع من
الشحّ والتوحش.
لم ينس سي فؤاد مرة وهو جالس مع أخيه في
المقهى كيف جرى إليه التاجر محسن مهللا ومقبلا وأوشك أن يجثو على ركبتيه ليشكر
ويتوسل أن يقبل سي فؤاد قارورة كوكا صغيرة لقاء ما صنعه معه ذات سفرات تجارية إلى
ليبيا. أصرّ سي فؤاد ألا يقبل الهدية وصاح فيه: ليست مزية ما صنعت لابن بلدي.
وسي فؤاد لم ينو طلبا كردّ جميل. ولكنها
سلفة.
الرجل معروف واسمه عنوان لامبراطورية مالية
طاغية في القرية.
وقد رويت حكايا عن رشاويه التي يغدقها على
المعتمدين ورؤساء مراكز الشرطة وقد تحدّث البعض أنه وفر لأحدهم المواد الكاملة
لبناء فيلا فخمة بدون مقابل. وكذلك تزويده آخرين بخمر السهرات.
واستقام سي فؤاد وأفاق بعد الذهشة والخيبة.
سلّم ثم مضى.
تعليقات
إرسال تعليق