المشاركات

وسيسمة الحدأة الجميلة

      "وسيمة" الحدأةُ الجميلة   كان كمال حين يخرج إلى الطريق الرئيسي وغير بعيد عن الحيّ يلتفت إلى دار الحاج سليمان فيتهيّب من ضجّتها الفوّارة بالحركة والجمال والغنى. وكانت وسيمة كبرى البنات. درست الابتدائيّة معه. شعرها شديد السواد يلمع كأنّ قمرا فوقه يضيئه دائما، وعينان سوداوان تجري فيهما نجيمات الذكاء، أما قوامها فهو ممتدّ كنخلة مثل أبيها وأشقائها، وصوتها يترجرج ويرتعش كنغمات مراوغة من لحن الرقّة والفخامة. وأما إذا زلزلها الغضب يصبح صوتها رعدا يرجّ السامعين رجّا. يتذكّر كمال مرّة أنه كان مارّا مع إحدى قريباته وفدت من سوسة مع أهلها إلى دار الجدّ. وأرادت أن تُسلّم على أم كمال على عجل. كانت هي أيضا جميلة وجذّابة نبتت في كورنيش الدلال على بعد خطوات من نزل كروان قبالة بحر بوجعفر في أمتع الأماكن بجوهرة الساحل سوسة. رأتها وسيمة وكانت تلعب مع أختيها على دكّة واسعة أمام بيتهنّ، فغمغمت قليلا ثم فجأة اقتحمت الطريق وانقضّت على الصبيّة تضرب وجهها وتقبض على شعرها تجذبه إلى الأرض جذبا عنيفا وهي تصرخ وتكرّ أسنانها كرّا مخيفا مثل لبؤة جائعة. فبانت وسيمة بعد الدلال وا...

تأملات شاعر

    - أسوأ ما يمكن أن يقع هو السوء غيرالمتوقّع. هو الفقدان والذهول المفاجئ. هو أن يصدمك قريب بخيانة .. أن تصفعك يد غادرة لأحد السفلة .. أن يسقط جهدك وعرق العمر في فراغ ! أن يبخسك قاض حقك وهو صارخ بالوضوح بين يديه! أن تعجز عن ردّ مظلمة من دعيّ كذّاب ! أن ترى القهر في عينيْ أمّك ودمعها الغالي يغلي في عروقك ولا تستطيع أن تردّ ظالميها لأنهم من ذوي الصلة والأرحام ! أن تفقد عزيزا طالما آنسك وأكرمك وصدقك في أيام وحشة واغتراب وأنت لا تزال محتاجا قُربه ودفق حنانه. ثم يرحل فلا   ترى رجالا بعده ليكرموك ويؤنسوك ويصدقوك مثلما كان الحبيب يفعل .. ويظلّ الغريب يسأل غضوبا ظلمة عابرة:لماذا لا يتكرّر الأحباب؟! ولماذا لا يُفتح للمستوْحش بالحنين باب لقاء وارتواء؟!

تأملات شاعر 1

                                                                                                                                                                 1 كان لديه من الشوق والحماس ما يكفي لأن يغزو العالم أوأن يُلفت نظره أوأن يُذهله أوأن   يجعل كل الناس في العالم تبّعا له، ينظرون إليه بأحداق واسعة ويتأمّلون وجهه وضوء عينيه وبِشارة كلماته وأوامره بالموت أوالحياة ونواهيه عن الالتفات إلا إليه.   كان لديه هذا العزم الشديد والوعد السديد وكل الوعيد. وكان يملك أنفاسا مثل ريح الرضى وعواصف النقمة. كان يشعر أن العالم صغير جدا مثل نملة أمام قريته التي يحلم بها. ونشأ طامحا أن ...

غبار القلوب

  غُبار القُلُوب     كان "الطاهر" وحيدَ أبويْه، مُدلّلا عزيز أمّه. تعلّم في عام الواجب العسكريّ حِرْفة التركيب الكهربائي والالكتروني. ولما نزع بدلته وخوذته عاد إلى حياته المدنية وفتح دُكانا لإصلاح الراديوهات وأجهزة التلفاز المعْطوبة وبدأت حياته تْزْهر وعمله يطرح الثمرات. فرأى والداه أن يُزوّجاه وقد تجاوز العشرين من عمره قليلا. أنجبت له زوجته بنتا وأربعة أولاد. ولم يبلُغ أكبرهم ست عشرة سنة حتى بدا له أن يُطلّقها ويتركها وبنِيها من أجل امرأة أخرى مُنشّطة أعراس وراقصة معروفة من قرية قريبة. عرفها عندما بدأ العمل في حفلات الليل والنساء بالأبواق والأضواء وكاميرا التصوير. كان أبوه "الحاج عليّ" مؤذّن الجامع الكبير، مُولعا بتحفيظ أحفاده القرآن حتى تمكّن "سامح" أكبرُهم من حفظ خمسة أحزاب كاملة. كانوا تاج حياته عوض أبيهم الطائش اللّاهي. ولمّا تُوفّي راح الطاهر يبيع ميراث أبيه ضيعة وراء ضيعة ثم تخلّص من دار ذات قيمة في وسط المدينة. وسرعان ما أنفق أكثر مالها على أهله الجدد. وقيل إن امرأته الراقصة ابتزّته واستدرجته بدلالها وخبثها الناعم ليكمل بناء دارها من ...

تأملات شاعر" المهرة السوداء4

  المهرة السوداء 4                                                          من سيغسل عتمة الليل بندى الصباح ؟ من سيُلبس غدنا الآتي لباس الشرف ودرْع البطولة ؟ من سيُسكت نباح الجروح من تحت الجلد المضروب بالسياط؟ من سيُوقف نزْف الهزائم وصفيرالريح في الكتب المرميّة دون عناوين أومُريدين؟ من سيريحنا من أسئلتنا المبعثرة ويسلّمنا بسمات الأقدار ومفاتيح النصر؟ ولم يجب أحد منذ سقوط غرناطة وانفراط الخلافة ! لكن جيلا خرج من المشكاة القديمة الأصيلة، من المصباح العتيق. أنبته الله في المساجد نباتا حسنا. نراه رأي الحلم وقد حمل فأسه في الصباحات إلى غابة الوطن السّليب ليحْتطب ويلفّ أحزانه وراءه ثم يفرش أحلامه بالعرق والتصميم والشهادة. ولن يتأخرعن صلواته وسيطلب بعناد الطفولة وثبات الرجال قلاعه القديمة   ويستردّها. لقد حانت الفتوحات بإذن ربّها. وسيحيى ترابُ الأرض بالسّلام الأخير. وستزدان حظيرة الخيول بمّهرة زال عنها التوحّش وتعلّمت صهي...

قم للمعلّم ...

    لعبة خفية (أو قُم للمعلّم) (البحر البسيط)     قُمْ يا بنيّ أجب عن هذا السؤال الأهمْ كم جمْع عشرٍ مع العشر فقال:نعم ؟ احتار واختلس الأنظار رُبّ أحدْ يُسْعفْه حلّا ولكنّ الصّدى انكتم وانتظر الصّفّ ردّ السؤال المُهمْ فكرّر السائل المنهك قول: كم؟ ما كان في القسم من يشفي غليلا وهمْ هل جمْع عشر بعشر صار لغزا أصمْ؟ أمّا المربّي فقد أَسْقط حبل الزّمامْ إذ هو آت إلى الفصل حديثَ القَدَمْ ما كان للعقل منه أن ترى عينُه أو يسمع الجهل قابعا ككدس الرّكم يحرق عمر الطّفولة مثل نار الهشم ما كان يفعل مَنْ قبلي بهذا الوصم؟ وقام اثنان للإجابة فانتشى قال المقدّم عشرٌ سيّدي وانكتم ! ثمّ تمادى وقال: العشر كافية للصّوم في رمضان غير إحراج وتمْ ثمّ انثنى عائدا يجري كمن ظفرا ولم ير دهشة المعلّم كيف جهم ! ثم بحزم وقوفا قال ثانيهما: عشر الليالي لمن صام و قام نِعمْ وعشرأيام مُحرّمِها صومها مكافئاتٌ لمسلم دعا والتزم والجمع يا سيّدي جنّات عدن رضًى وعْدٌ من الله لا عشرون عدّا وتم ! فازداد قدّيسنا المعلّم دهشا حين أراد أن يسأل عمّا ...

سأكتب على جبين الشمس حيرتي

    سأكتب على جبين الشمس حيرتي   سأكتب على جبين الشمس حيرتي بكل جرأتها وقسوتها. وسأخفي عن الأقمار وفي تجاويف القلب يقيني. وسأرمي أمام كل المساجد وعلى سمع المآذن عيوبي وأقبح ما اقترفت من ذنوبي. ليس غير الشمس مطهرا عنيدا لكل ظنوني. وليس غيرها من يحرق حنيني بقسوة فلا أرى ورائي غير طفل سعيد. ينبغي أن أنسى كيف كنت ضالا في أزقة غريبة، وكيف كنت أموت وأنا أمشي بين كتبي، وكيف كنت أنثر أحزاني أمطارا سوداء حارقة لا تشفي ولا تكفي، وكيف كنت قليلا ما أبدو وسيما في محافل يرقص فيها أبطال من ورق. كنت أتعثر على حافة حياة لم أمتلك فيها شبرا غير ما يدوسه ظلّي عند الغسق. لقد سلبوا براءتي واغتالوا ضحكتي وفرحي المختال بولادتي. وصرت أقول بلهفة المتحسّر المطحون بالذلّ: ليت ذلك القطار في ليل الصغر قرب بحر السكارى داسني دون وجع. ولو حصل أن توجعت لزال بنسياني. عبرت السنوات الخمسون على جسمي فصار حقل جراح نابحة وعلى عمري فأضحى ملغما بالحرمان والعجز والكمائن والتعذيب والصيحات الخرساء. وحين كتبت في الستين بدأت أتعافى ليقرأني من يريد أن يحيا. ولا أعطي من معافاتي غير عصائر من كبدي وخبز...