خيبة مالك

 

خيْبةُ مالِك

 

 

كان مالك تلميذا رصينا هادئ الطبع، مجتهدا على أوراق الاختبارات، وبارع في قنص الأعداد والعلامات الجيّدة. ولكنه قليل الكلام بل عاجز عنه في أكثر الأحيان. ورغم ذلك لم تفُتْه المراتب الأولى وجوائز آخر السنة الدراسية من كلّ عام.

وقد يكلّمه المعلّم ويسأله فيجيبه مرّة وتهرب منه الإجابات فجأة فيبتسم ببلاهة ثمّ يحمرّ وجهه ويصمت صمت القبور. فيصرخ فيه : انطق ،تكلّم يا مالك. مالك؟

قد يمرّ إلى غيره وقد يلطمه أحيانا غيظا ونقمة.

ولم يكن مالك ثقيل اللسان في مقعد الدراسة فقط. فحتى مع رفاقه وجيرانه. فيقولون: كم أنت هادئ و"عاقل" يا صديقنا. تحرّك قليلا وأجبْ من يدعوك أويسألك، ولا تكن صنما. بادرْ ودافعْ عن نفسك.

وهمس له صديقه أحمد مرّة قائلا: تلك الفتاة. أرأيتها؟ انظرْ. لا تكفّ عن النظر إليك. إنها منبهرة بك. كلّمها وادعُها تجلسْ رفقتك في المقعد.

وتأتي إلى جانبه ساعة الفرنسية. لم يدْعُها. قد تكون صدفة تلاقت عليها القلوب. ولكنه أحسّ شيئا آخر، ربما تكون مؤامرة.

كلّمته ورمت إليه طرفا خفية فتضاحك دون أن ينظر إليها، واحمرّ وجهه. ثم التفت حوله فوجد الرفاق يتهامسون ويضحكون.

وفي الساعة الثانية فرغت الطاولات إلا من أقلام وورقات فارغة بأمرٍ من المعلّم. إنه اختبار في دراسة نصّ فرنسيّ.

وأمضى مالك ساعة قلقة بسبب همز الرفيقة تحثّه على كشف ورقته لها كي تنقل الإجابات.

 وانتهت قصّة الفتاة بخيبة. وكان قد أوشك أن يُصدّق نسمة تحرّكت في قلبه. ولكنه كيد الرفاق والطامعات من الفتيات ناقصات همّ بالدراسة.

وطالما جهّز نصوصا وكلمات مُهمّة يحفظها ليعرضها. وعندما يهمّ بالحديث يحجم عنه ويتراجع كمقاتل رأى حتفه في خطوة زائدة.

ويمنّي نفسه بفرصة أخرى وتالية، فيبرد في أول لحظة كلام أو مكاشفة. لعله الخوف من الفشل والخيبة،أو إبهار الجسد وإدهاش اللحظة وغياب الحضور. إن الشرود في داخله عميق وممتدّ وغير مفهوم.

ولكنه لا يزال من الأوائل دائما، حتى كبر. تحسّن شيء في لسانه عندما نجح في ربط الصلة بأحد الرفاق الملازمين الذين يشبهونه. وظلّ الورق وحبر القلم هما زيت لسانه الحقيقي والأصيل. به يكون صريحا عاريا ومحبّا وكذلك كارها لنفسه.

قيل إن له أهلا مرفّهين. كانت أمّه كادحة معتنية، ولكنها امرأة صيّاحة في البيت بسبب زوجها. السيد فايز رجل أعمال مغرور ويعتقد أنه "دونجوان" جيله وزمانه. وكثيرا ما يتنبّه مالك من نومه على صراخ أمه معه وهي تحذّره من أنها لن تصبر على نزواته مع النساء والخمرة كثيرا. لكنها تهدّد دون طائلٍ والرجل يهدّئها في كلّ غضبة بمعسول الكلام والهدايا. وينذرها أيضا بأنه لن يُطلّقها إذا خرجت من داره.

وصار مالك ينظر إلى أمه كثيرا فيرى المسكنة في عينيها ودموعا مقهورة تأبى أمامه أن تُطلقها. أشفق عليها ورغب في أن يساعدها بشيء ولكنه يخشى أباه.

ومرض أبوه وسمع أنه قد أصيب بسرطان المعدة المميت. أنفقت أموال كثيرة ولكن دون جدوى.

تغير السيد فايز واعتذر من زوجته وما عاد ذلك الأب العابث والغاضب . اعتمر وصار يحضر الصلوات في المسجد وتوسّل لأصحابه الذين رافقوه في سيارته الفخمة وسهراته القديمة الماجنة أن يسلكوا طريقه إلى التوبة كما دعاهم وأغواهم من قبل إلى جحيم الرذائل.

 وبعد شهور قليلة توفّي السيد فايز وفقد مالك أبا لم يعش حنانه إلا قليلا. ولا يزال يعاني من شلل الكلام وعجز لغة الصدر على التحليق.

إنها دهشة طفل أمام الرّزايا ونكبته في بيت خصومات ورعب.  

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غبار القلوب

وسيسمة الحدأة الجميلة

السجدة الأخيرة