وتستمرّ الرحلة

 

وتستمرّ الرّحلة

 

تقلّب كمال بين أمكنة ووظائف كثيرة. ترك أخيرا حيّه الشعبيّ وكلّ الجيران واختار أن يحمل نفسه المتعبة وأهله ويرتفع بهم إلى الطابق الخامس من عمارة جذّابة في حيّ آخر. كانت شُقّة واسعة ومريحة.

صار كمال يُطلّ من علٍ، من نافذة على طريق خالية إلا من ضجّة يحدثها العابرون من ممرّ مُّنْزوٍ هادئ رغم وجود مصنع للخياطة وشركة لبيع المواد الغذائية بالجملة في طرفيْ النهج. إنه حيّ راق تتوفّر فيه كلّ أسباب الرفاهية.

 ولكنّ بيوتا تختفي بين العمارات الفخمة. بدت لكمال أعشاشا مُهْملة كتلك البيوت القصديرية التي نشأت وتكدّست بأطراف العاصمة في عهد بورقيبة. يخرج منها أطفال سمْر حُفاة وفي أيديهم قطع خبز يقضمونها وهم يلعبون بكرة من قماش! وفي ركن غير بعيد، أكياس متسخة واسعة تُرْمى فيها قوارير بلاستيكية وأجسام أخرى كشواحن الراديو الفاسدة والبلورات المكسرة التي تناثرت شظايا على عرض الطريق وقطع خبز يابسة تلوّنت بأحمر المرق وأصفر الزيوت وقاتم الغبار.

وسرعان ما اختار كمال بعد التقاعد أن يُطلّ أيضا على ماضيه مع الجيران القدامى ويتأمل حاضره ويرسم حياته من جديد. ففتح كرّاسا وبدأ يكتب.

وفجأة ضحك ثم قال بعد أن أُخبرته زوجته بشيء: يبدو أنّ الرحلة لا تزال مستمرّة ولن تتوقّف.

البارحة.. سُرقت لابنه درّاجة هوائية كان يضعها أسفل العمارة في ركن تحت الدرج.

لم تكن وردية هذه المرّة بل حمراء!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غبار القلوب

وسيسمة الحدأة الجميلة

السجدة الأخيرة