الجدّة أم الخير
كانت الجدّة "أمّ الخير"هي الخبيرة الرّئيس في المنزل حين تجتمع
بناتُها وأولادهنّ في كل صيف بحريّ رائق. تأمر وتنهى فيشمّ الجميع عطر الحياة
ببركة يديْها وتقديرها الحكيم لكلّ شيء من الطعام والمؤونة، كالكسكس الصّيفي والفلفل
الأحمر وشرائح التين المجفّفة والزيتون المطعّم بالملح.
كل ذلك مُمْتع ولذيذ ولكنّ الأمتع والألذّ جلساتها ومُسامراتها وحرصها على
طهْي الشاي الأحمر بنفسها. لا يمكن لأحد من عجائز الحيّ الجارات أومن أهل البيت أن
يغيب عن نصيبه في كأس شاي مُعطّر بالنعناع، إذ يعْلَقُ شيء من ريقه اللذيذ ولونه البنّي
في الشفاه والألسن.
والجدّة لا تترك الشاي بسهولة كأن رباطا مقدّسا يظلّ يشدّها إليه حتى الليل.
فترتّل تراتيل العشق وهو يهبط ويسيل على مهل كالعسل الصافي بِرفْق وحُنُوّ من
الإبريق وتعيده إليه ثم تُسْكنه في كأس "طرابلسيّ" جميل وقد حصّل رغوته ثم
تُهْديه بسلام إلى ضيف كريم، وبه يحلو الحديث ويطول في أيّ شأن جدّ أوهزُل.
وعندما تخفّ النكهة ويُمْتصّ الرّحيق ويصبح لون الشاي باهتا يميل إلى
الصفرة تأمر الجدّة أحد أحفادها بأن يُسرع إلى دكان العمّ "عزّوز"
لاشتراء الحبوب السوداء من عبّاد الشمس وكيس آخر لحبّات الكاكاو المقلية وتنبّهه
إلى ضرورة جلب البضاعة ساخنة. وتبدأ أعمال التصفية والتقشير والفرز. ويا لشدّة صبرالجدة!
وهي تُلْهي نفسها والمجتمعين حولها والجالسين على البُسُط والدّكّة الإسمنتية
في جانب مجلسها الأيمن. ويبقى الأحفاد ليستمعوا إلى ما رسب في ذهنها من حكايات
وقصص وطرائف حفظتها وعاشتها في زمن الحكمة والرجولة وصفاء القلوب، يوم كان
"بابا صالح" فلاحا سيّدا على أهله وعشيرته رحمه الله.
وقد روت عنه حكايات تشبه أساطيرعن رجل خارق لا يضاهيه قوة وذكاء أحد من أهل
القرية.
منها ما حدث لأحد أبنائه عندما همّ مرّة بأن يمُرّ بمسْلك ضيّق يحدّ ضيعة
أخرى، فنهره صاحبُها وضربه لمّا عاند وأصرّ على حقّه في المرور وأمره أن يسلُك
الطريق الآخر الذي اعتاد أهلُه المرور منه، وهدّده ووراءه رجالُه وأولادُه يحملون
الهراوات والفؤوس، إن عاد لقي هلاكه.
ولمّا علم بابا "صالح"
ضغط على أضراسه فتشنّج وجهه وظهرت عروق جبينه وانتفض من جلسته وهو يصرخ: ما كان
لجارنا أن يفعل ذلك. ما هذا اللؤم وما هذه الجناية؟
سأذهب إليه اللحظة ولا يتبعني منكم أحد. وحمل هراوته الغليظة. نظر إليه ابنه
الأكبر وقال متوسّلا: سيواجهونك بالفؤوس وبجمْع كثير. خُذني بصُحبتك أشدّ أزرك.
قال : لا .. لن تأتي معي ولا أحدٌ من إخوتك. أنا كفيل بهم جميعا وهذه
الهراوة صحبتني في كل المعارك ولن تخذلني هذه المرة أيضا. ثمّ نظر إليهم نظرة آمرة
حازمة فتأخروا وانصاعوا له على مضضٍ. وبقوا يتبعون خطاه المزلزلة حتى غاب ظله.
وعُدنا إلى الجدّة نرقب كلماتها حتى سألتنا: ما تقولون أنتم عن المعركة ومن
تغلّب فيها؟
قفزنا جميعا وبصوت واحد صحْنا : جدّنا طبعا. أفي ذلك شكّ؟
فقالت باعتزاز : نعم ولكن ليس بقوّة مَرافقه ولكماته أوبهراوته. إنها
الحُجّة هذه المرّة واللّجوء إلى جانب الحق والثقة بأن رصاص الكلمة الصادقة أقوى وأحدّ
من رصاص البنادق.
أعلموه أن ابنه هو من بدأ بالظلم
فاعتذر، ولكنه نبّه جاره أنه الأوْلى بتأديب ابنه منهم لو أعلموه قبل ضربه. وهم
يعلمون أنه يفعل خيرا وأشدّ من أيّ أحد.
لقد مرّ الخال "شهير" متعمّدا ليُشاكس ابنتهم ويتجسّس عليها وما
كان لأهله من قبل أن يمرّوا من هذا المسلك لعلْمِهم بأنه كاشف وقريب من سكنهم.
فقال بابا "صالح" : لعن الله شيطان الإفك ونزوات الشباب. والله
لو لم يكن الأمر كما قلتم لأفنيتكم و مزّقتكم وفرّقت أشلاءكم بين أودية الغابة
تأكلها الكلاب والذّئاب. ولكن الحق أحقّ أن يُتّبع. فسامحونا.
ثم مضى عائدا وانهال فور دخوله المنزل على الخال شهير حتى خشينا أن يقتله.
وكان درسا بليغا تعلّمناه منه في المروءة والشرف.
رحمه الله و طيّب ثراه ورفع مقامه
في الجنة.
تعليقات
إرسال تعليق