عمي الجيلاني أسطورة القرية القديمة

 

 

عمّي الجيلاني أسطورة القرية القديمة

 

 

أطرد من فرنسا بسبب ما زُعم أنه رجل عنيف وخطر على صفْو الحياة العامة.

عمّي الجيلاني خاض معارك كثيرة وشرسة ظلّت تُغذّي المخيّلة الشعبيّة في القرية. وقد نُسجت عنه حكايات عجيبة مُبْهرة وهو لا يزال حيّا بين الناس وناطقا بالحركة والبطولة.

 أكثرها ظرْفا وخفّة هي تهديده لأمّه مرّة حين كان في أول شبابه بأنه سيكسر جرّة الزيت الممتلئة الضخمة إن لم تُعطه قارورة من زيتها. تحدّته ولم تصدّق أنه يقدر على فعل ذلك. فأحاط بذراعيْه الجرّة ممتلئة من أسفل الوسط ورفعها في حملة واحدة.  فصاحت أمّه وبدأت تولول من الخوف وتضحك في نفس الوقت ضاربة بكفّيها على ركبتيها. عرضت الصّلح معه بقارورتي زيت وحفنة زيتون مملّح وخبزة شعير ساخنة خرجت لتوّها من الموقد الطينيّ "الطابونة".

كان شابّا فتيّا ذاع صيتُه في السّتّينات. وقد نودي وقتئذ ليتدرّب في فنّ الملاكمة. وخاض جولات وأوشك أن يكون من عتاة الملاكمين العالميين، ولكن غلبه مزاجه المتقلّب وتنطّعه الغريب، وعجّل بالسفر.

وحكي أنه كان ظاهر الهدوء ولا يخضع للاستفزاز والإثارة من الوهلة الأولى. غير أن له غضبا دفينا على من يدّعي البطولة زيفا وظلما. وصرّح مرّة لأحد أصحابه أن في قلبه غلّا شديدا عليهم. لذلك كان دائما يترصّد فتوّات الشوارع وقطّاع الطرق ليردع غرورهم ويضرب علّة الغدر فيهم. ولم يكن خوّاف الخطى أوواجف القلب منهم رغم كثرتهم.

وفي مرّة بمهجره، نزل إلى ساحة العراك مغتاظا يريد الانتقام من غريم قديم أفلت من قبضته سابقا. ورأى الناس غلظة كفّه وسرعة ردّه وقوّة ضرباته على الوجوه والصدور حتى وقع أحدهم قتيلا لا يُبين حراكا.

أمضى العم الهادي سنوات سجن طويلة ثم حُمل بعدها إلى المطار ورُحّل قهرا إلى بلده. ونزل إلى قريته وعند أهله، وهو يحمل حقيبة صغيرة من بدلتيْن وكثير من القصص والذكريات.

عمل شهرا في أحد الفنادق حارسا ليليا ولكنه لم يهنأ بحلْو المقام إذ أخْرج من وظيفته بسبب عراك مع أحد الزّبائن المُهمّين الذي استعلى عليه واحتقره وحرّش عليه بعضا من رجال حمايته حتى استنفد ما في صدره من صبر وأناة وانقضّ على المُعتدين حتى أدماهم وجروا أمامه فارّين من وجهه وقبضته المميتة غانمين بسلامة أرواحهم.

ولأن صاحبهم رجل مُهمّ رأى مدير الفندق أن يستغني عن عمي الجيلاني إرضاء له ولمصلحته معه.

فاتّجه مع بعض من شبان وكهول عاطلين عن العمل إلى شركة سينمائية إيطالية تعمل على إنجاز فيلم دراميّ ضخم بمدينة قريبة تحتاج إلى جمهور يحتشد حول قائد ويتفرّق بحرب ويجري أحيانا لينهب ويقتل.

وانتهى عمل الشركة فعاد العم الجيلاني إلى قريته يطلب السلامة والهدوء. اختار العزلة بغابة بعيدة يروح منها بين أسبوع وآخر ليتزوّد بالطعام الجافّ كالزيت والخبز وحفنات الزيتون المملّح. أما الماء فيأتي به من بئر غير بعيدة عن ضيعته.

وقد يأتي إلى المقهى لينضمّ إلى حلقات الطلبة والتلاميذ، فيرحّبون به ويأتون إليه بكوب ماء وفنجان قهوة ثم يهيّئون له كرسيا في وسطهم.  تظلّ أعينهم تنظر إليه بتهيّب واعتزاز كأنهم يقولون لأنفسهم: هذا بطلنا. فهاتوا أبطالكم يا من تحسدوننا.

ورأوه يسْحب من جراب قماشيّ على كتفه ورقات وقلما. وبدأ يسوق لجمع المثقفين كلمات وجملا باللغة الإنجليزية. وبدا منه إلمام محمود بها. ولكنّه طلب مساعدتهم على تعلّم الأكثر منها. وطفق يسأل ويكتب ما يتلقّف من مفردات ويضع أمامها معانيها ثمّ يؤلّف الجمل ويتبارى بها مع التلاميذ والطلبة المغرمين بهذه اللغة حتى اكتسب مهارة شفوية متميّزة ومبهرة.

وأفضى إلى أحدهم بأنه ينوي الخروج إلى إحدى البلدان الانجلوفونية وإن الحال قد بدأ يضيق عليه في القرية والعائلة.

ويتذكّر كمال أنه يوما دخل عليه عمي الجيلاني المقهى ووجده منكمشا على نفسه شاحب الوجه يقلّب سيجارة بيده يريد امتصاص ذخيرتها حتى العقب منها.

فجلس قبالته ونهره قائلا : ادفع صدرك إلى الأمام يا ولد. غير جائز منك أن تيأس وتنكمش على نفسك مثل العجائز. فليس على الرجل إلا أن يبذل جهده ويحاول.

فشعر الشّاب بانزياح حجر ثقيل كان يجثم على صدره من أثر الكلمات الحارّة التي صيغت بأسلوب وصوت عجيبين كأن مصدرهما كتاب في الحكمة ومرجع في فنّ الحياة .

ثم سمع كمال العم الجيلاني يدعوه وهو يبتسم وسيجارة لا تغادر شفتيه أن يطلب له قهوة سوداء مُرّة كالعادة. فضحك الشاب وقال: على الرّحب والسعة عمّي.

ثمّ نهض الرجل و دخان كثيف يحجب عينه اليسرى فينزل جفنها قليلا  توقيا، فظهر كأنه يغمز. ولكن غمزا عن غمز يفرق. وقال وهو يغادر: عليك أن تعمل حتى تستطيع تسديد ثمن القهوة المُرّة لعمّك الجيلاني. وضحكا معا ضحكة دافئة فيها ما يكفي من فيض الثقة والسرور.

ولا يزال الرجل الأسطورة يتحرّك في القرية والمقاهي وحلقات التعلم والغابة حتى سمع الناس بأنه تزوّج وأنجب ولدا سمّاه إبراهيم.

وهو في عمر يوشك أن يطلّ على الهرم والشيخوخة، شوهد مع ابنه يجول ويحيّي الناس ببدلة جديدة. وبدا مبتهجا كأنه استردّ كيانه القديم قبل أن تكسره الحوادث. وصار قابلا بحماس أن يعيش عمرا آخر فلا يخسره كما خسر نصف قرن في التيه والعبث.

ثم فجأة تحدّث الناس عن التابعة أو العين أوالحظ اللعين.

 ويُنكب العم الجيلاني بفقد ولده الوحيد

 واستمرّت معاقبته من أهله وانتكست حال العم. وقيل إن زوجته طلبت الطلاق منه بسبب ما رأته إهمالا ثمّ انفصلت عنه.

وما عاد للعم عائلة يعود إليها بعد هذه الرحلة الشاقة ولم يسعْه في الآخر إلا قبر وكفن .

لقد مات العمّ الجيلاني وانتهت الأسطورة بين ما صحّ منها وما لم يصحّ. وعادت القرية إلى حركتها العادية تبحث عن بطل آخر يخرج من شعابها وزيتونها وهرج حوانيتها.

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غبار القلوب

وسيسمة الحدأة الجميلة

السجدة الأخيرة