سي عبد السلام
سي عبد السّلام
السّيّد عبد السلام مُربّ فاضل وجارٌ عزيز، نحيل
الجسم ،خفيف الخطى ورصين المشية في آن، بشوش الوجه ،مشرق الجبين. وله مهابة فيها
رفق. يختلف عن جيل القدامى في مزجه الذكي بين الشدّة والحزم من جهة وبين اللّطف
والحنوّ من جهة أخرى.
وهو أيضا مُختلف في أهله. لا تسمع منه غضبة
أو تصدر عنه صرخة أوضربة لأحد أولاده.
لذلك كان إبراهيم حين يحسّ بالوحدة والخوف في
بيته، يلتصق بجدار الجار السيد عبد السلام. فلا يسمع إلا الضحكات العالية والحبور
الجميل، وصوت الرجل بين صغاره رخيم رقيق ومستظرف. وكم كان إبراهيم يحلُم أن ينضمّ
إلى صديقه محفوظ ابن السيّد المحبوب ليستمتع بفرح الحياة ودفء العائلة الحقيقيّ.
كان إبراهيم يخرج إلى الشارع المقابل لمنزل
المؤدّب الفاضل ليلعب مع أبنائه الكجّة أوالدّوّامة العجيبة. وفي الظهيرة يراه مُقبلا
ببدلته السوداء الأنيقة وفي يده محفظة سوداء مُنتفخة قديمة، قد بدت في جوانبها
قشور قليلة غير لافتة لا تزال عالقة كأنها تأبى مفارقة الجلد واليد وأنفاس الكتب
والكرّاسات.
وفجأة طار سرب من حمام كثير والتفّ يحوم حوله.
ووقع بعضها بدلال على كتفيه ورأسه وهو يضحك ويناجيها بحبّ، وهي تُجيبه بالهديل
والدوران.
يكفّ أولاده عن اللعب قليلا عن اللعب
ويبتسمون لأبيهم الأسطورة. ويقول محفوظ: لو أن في يدي آلة تصوير لحصلت على الصورة الأجمل
لهذا العام.
السّيد عبد السلام معلّم سابق ومدير مدرسة
قبل أن يُحال إلى التقاعد. عُيّن إماما على منبر "سيدي عبد السيّد" وبقي
يخطب فيه سنوات طويلة. أعجب الكثيرين صوته وقصر خطبته خاصة للعاملين والموظفين
عشية الجمعة.
ويتذكّر إبراهيم مرّة أنه أقام درسا قبيل
الخطبة. وكان جالسا وظهره إلى المحراب يقرأ من ورقة نصا قصيرا وآية ويفسّرهما بلغة
دارجة غير ركيكة. أدهش الكبار قبل الصغار بسلامة لغته وإفهامه الجيّد. وعندما أنهى
درسه تحرّكت بعض الأيادي بالتصفيق لشدة ما وقع في نفوسهم من الحكمة الواضحة
والعبرة البليغة. أنكر البعض الآخر هذا التصرّف ولكن إبراهيم قال للمُنْكرين : قد
صفّقوا عن جهل وحماس. وهم كبارنا على جديد عهد بالصلاة والتديّن. فارأفوا بهم.
تعليقات
إرسال تعليق