صديقي مختار
صديقي مختار
استمع إلى الأغنية حتى انتشى. وأغمض عينيه لغفوة حالمة. ونسي قهوته السّوداء
حتى بردت. فقال: برودتها مع مرارتها لا تطاق . نادى النادل ورجاه أن يبدلها بأخرى
ساخنة. لبّى هذا الشابّ الأشيب على مضض ومضى ينفخ ويسبّ حظه: ليتني أكملت دراستي.
كان إبراهيم يستمع إلى مقاطع مكرّرة من أغنية قديمة لأم كلثوم.التحق به
صديقه مختار. حوّل نظره في الزوايا المعتمة حتى عثر عليه. سأله عندما رآه:هل أنت
مخمور؟ هل شربت كأسك الصباحيّة قبل أن تعوج إلى مقهى اليائسين؟
ردّ عليه ببرود: أنا لا أشرب. وأنت تعرفني.
ولكنّ الأغنية غيّبت عقلي. ولم تفلح قهوتي السوداء في إيقاظه. بل قد أنسيتُ
شُرْبها.
قل يا مختار. ألم يكن جيل الستينات ممّن سهروا ليالي السّت وهم على صفيح
ثورة وحرب، معذورين حين انهزموا؟
قيل:أسكرتهم ليلة فغفلوا عن الغزو.
وتركوا جبل الرماة ليقفوا على
القوافي. وحسبوا وقتها أن رقصة السكران سترمي بهؤلاء في البحر.
دعنا من ذلك يا صديقي. حديث الهزائم يطول.
كيف حالك؟ اشتقنا إليك أيها الأشقر النحيل، صاحب البسمة الخجول. تغيّرت يا
مختار. سقطت بعض أسنانك. هل كنت في سيبيريا وشربت مع الروس خمرتهم الثقيلة؟
غاب مختار سنوات. كلّم إبراهيم في الهاتف واشتاق أن يراه ويلعب معه شوطا من
لعبة الديمينو. كان رفيق دراسته، ذكيا نبيها سابقا مع الأوائل. ولكنه خسر نقاطا في
مواد يحبّها كاللغة العربية وآدابها وكذلك الفلسفة.
نجح في اختبار الباكالوريا ووُجّه إلى شعبة علم الاجتماع.
كان ملتزما، شغوفا بمطالعة كتب الفلسفة الإسلامية. لم يغلبه أحد في جدل
الوجود والألوهية.
ولكن مختارا تغيّر.
حدّثه بحزن وهو يضحك. فتعجّب إبراهيم لهذا المزيج المخيف في وجهه. إنه يضحك
ولكنه ضحك كالبكاء.
لقد قطع صلته بالدراسة وبالأهل أيضا. وذهب عاملا في فندق بالعاصمة. وصار
يدخّن ويشرب المسكرات أحمرها وأبيضها وبكل ألوانها حتى الكحول. ويسهر للرقص. وقد
يخرجه المدير أحيانا إلى الشارع تبرّما من عبثه وعنفه الزائد. فيترنّح إلى أن
يتقيأ. وقد وجده بعض رفاقه مرات ممدّدا نائما على كرسي خشبيّ طويل في أحد الأرصفة.
ولاحظ إبراهيم بحزن كيف تغير كلامه أيضا وانحطّ إلى معجم البذاءة والفحش
وسبّ الجلالة.
أين ذلك البريء بوجهه المُشرق بالنباهة والثقة؟
اكتفى بذكر سببين واختصر. وخشي من أن يُغضب صاحبه فيحتقره:
هما الفقر والخذلان يا صاحبي...
اتسعت حدقتا عينيه دهشة وذهولا. ثم صمت كأنه يريد أن يبكي.
تعليقات
إرسال تعليق