مآل معركة
كان العراك بين صِبْية الحيّ فنّا ومتعة
أيضا. وكل واحد منهم مطلوب ليكون أحد المتصارعيْن أوأحد المشاهدِين الذين يحرّضون
ويصفّقون وينفّسون عن نفوسهم الملول.
كان كمال أقلّهم مشاركة وحماسا للعراك أوالفرجة.
ولكنّه لا ينسحب إذا نودي للتحدّي.
فمرّة استفزّه حامد استفزازا شديدا. فامتقع
وجهه وغلا صدرُه وعلا صوته بالنقمة، فقفز دون مقدّمات وإنذار على خصمه. وسرعان ما
طرحه أرضا ولكنه لم يحسم المعركة بعد. فقد أمسك حامد بيديه كي يمنعه من ضربه أومن
فرض الاستسلام عليه.
كان كمال يصرخ و يحاول فكّ يديه كي يفرغ
نقمته و يثأر لنفسه الجريحة. وبذل قصارى الجهد وما بقي في يمينه من طاقة. ولمّا
اشتدّ به القهر، وأبى أن يُسلّم لم يجد حيلة غير أن يعضّ خصمه من وجهه وأذنيه وأنفه.
وما أقذع وأوسخ ما وجده في فمه من العرق والمخاط. فقام عنه يبصق ويشتم حامدا.
ولكنّ حامدا نظر إلى خصمه ثم أخفى وجهه وولّى
هاربا خجلا يكاد يسقط من الارتباك وكذلك من الضحك.
وعاد كمال إلى منزله ليغسل وجهه. ولمّا تفقّد
ملابسه رأى فرْدة من حذائه قد تمزّقت من شدّة الاحتكاك. فماذا سيفعل؟ وكيف سينجو
من تقريع أمّه؟
فخرج مُغْضبا واتجه بخطوات حازمة إلى دار
الحاج أبي حامد ليشكو إليه جُرْم ابنه.
طرق الباب. ولما فتح له اتجه رأسا إلى قاعة
الجلوس حيث وجد الحاج يحتسي كأس شاي أحمر ويدخّن سيجارته في هدوء وهيبة. بشّ في وجهه
وقرّبه. وكثيرا ما كان كمال رفيق حامد في المراجعات المنزلية وهو متعوّد رؤيته بين
أولاده.ولكنّه لاحظ الاضطراب في وجه الولد فأظهر الجدّ وسأله عما أصابه.
نزع كمال حذاءه وقرّبه للحاج وصاح : انظر
بابا الحاج ما فعل ابنك. لقد تمزّق حذائي الجديد وما عاد صالحا. هل يعجبك هذا؟
فانفجر الحاج فجأة ضاحكا وبانت أسنانه
الصفراء والسوداء ولمعت من بينها سنّه الذّهبية. وخرج من فمه دخان كثيف مع سعلات
متكرّرة اختلطت بالضحكات. فاشمأزت نفس كمال قليلا ولكنّه جارى الحاج ولم يشأ أن يُظهر
له قلة احترام وتوقير.
ثم هدأ الجوّ قليلا وسحب الحاج من جيب سترته
حفنة من نقود صفراء وبيضاء وقال بحنان : لا بأس يا ولدي. اذهب حالا إلى الإسكافيّ
وسيعود حذاؤك أفضل مما كان.إنّه فتق بسيط.
اعْف عن حامد يا كمال. فهو رفيقك في المدرسة
وجليسك في المراجعة الليلية وجارك الذي لا يفارقك أبدا. إنه يحبّك فلا تغضب.
فزال عن كمال قليل من القلق والغضب. وأحسّ
بقشعريرة لطيفة باردة تغمر روحه.
وخرج إلى الطريق باسم الوجه راضيا.
وتذكّر ضحكة الحاجّ حين قرّب كمال فردة
الحذاء من وجهه. رفعها ليراها فوجدها قد فُتِقت من الأمام. وبدت هي أيضا ضاحكة!
تعليقات
إرسال تعليق