حادث سعيد
مالت الشاحنة الضخمة ثم سقطت على جانبها الأيمن فترنّحت قاطرتُها الطويلة وخُلع
بابها الخلفيّ بسبب الارتطام الشديد بالأرض. وبدأ تساقط الصناديق مجموعات ووحدانا
منها ما ساح ماؤها بعد تحطّم القوارير ومنها ما تدحرج على العشب في جانب الطريق
وسلم من التكسّر.
كثيرة هي القوارير التي قذفت وانشطرت شظايا وقطعا بلورية وتحوّل ماؤها على
الإسفلت بركا متفرّقة وسواقي فائضة صيّرت التراب طينا كأن غيثا أصابه من غيمة
عابرة وذهب قطرها غورا في الأرض.
و سرعان ما أقبل سكّان "الدشرة" واحتشدوا حول الشاحنة يستجْلون
ما حصل مذهولين من صورة انقلابها وعظم الخسارة التي لحقت بها.
و ذهب أحدهم يستطلع حال السائق ومُساعده فوجدهما في إغماءة خفيفة، تكدّس
أحدهما على الآخر ثم بدآ يتحرّكان لفتح الباب من الأعلى، جهة السائق. فساعدهما في
فتحه بصعوبة ومدّ يده ليتّكئا عليها فلا قوة بقيت لهما إذْ خارت بسبب الصدمة .
جلسا على جانب الطريق لراحة أنفاس واسترداد الوعي بالحادثة.وبلّلا وجهيهما
بماء بارد وحمدا الله على سلامتهما ثم حاول أحدهما سحب هاتفه ليطلب نجدة ويخاطب
مديره في الشركة لإعلامه ولكنه لم يجده.
قام يترنّح و يبحث في صناديق
الشاحنة قرب كرسي السائق حذو المقْود أوملقى جانب الدوّاس والمكْبح ..
لا جدوى.. فناداه صاحبُه وأشار بإصبعه إلى الخلف. فالتفت وإذا بحشد كبير من
الناس قد ولّوْا أدبارهم إلى الجبل في قافلة منظّمة سطرا واحدا يميل و يدور ثم
يصعد حسب المسلك الأفعواني الذي يسلكونه، وقد أفرغوا ما بقي من حمولة الشاحنة من
الصناديق وحتى القوارير جمعوها في أكياس وقِفاف و قصدوا ديارهم و زرائبهم فقال
السائق مذهولا ويائسا: سرقة جماعية منظمة يا صاحبي!
و فجأة انفجرا من الضحك لمّا رأيا امرأة حافية تحمل رضيعها في صرّة على
ظهرها وتشرب من إحدى القوارير الخضراء وتعطي لابنها الآخر جرعات كلّما جذب طرف
عباءتها وهو يتوسّل.
و لم يكن الشراب ماء أومشروبا غازيا بل
خمرة كانت ستُحْمل إلى فنادق الساحل البهيج وسائر الحانات والعلب الليلية السعيدة
على ضفاف بحر ناعم الموج وأبدا لا يهيج...
تعليقات
إرسال تعليق