احتراق المذياع

 

احتراق المذياع

 

 

كمال، هذا الطفل المُدْمن على الحركة واستنباط الحيل. وجد يوما مَشْغَلا غريبا وجديدا يُغْنيه عن الشارع هذه المرّة في ساعة غفلة للأم وغياب للأب والأشقّاء.

مذياع هو تُحفة المنزل الذي يعتزّ به والده ويفخر بامتلاكه أمام الجيران والأصدقاء. وقد سمعه في دكان العمّ "عزوز" يناقش خبرا وصوتُه عال وحادّ: بأذني هذه التي سيأكلها الدّود، سمعتُ الخبر في حصّة أخبار الظهيرة من مذياعي في المنزل.

جهاز ساحر نُقِشتْ لوحته الأمامية بثُقوب ذات شكل المُعيّن صفراء وصُبِغ إطارها باللون البُنّيّ وغُرست في أسفله أزرار دائرية كبيرة لامعة ومُزيّنة.

وأصبحت الدار بوجوده ضاجّة بغناء عُليّة وعلي الرّياحي ومحمد عبد الوهاب وحكايات العروي وحصص الأخبار وتوجيهات الرئيس.

ورغب كمال في الاستمتاع بساعة خُلوة مع الجهاز العجيب ويستمع عبر موجة أجنبية إلى أغان راقصة كانت تُغْريه بالحركة فيتمايل مثل الديك حين يتخبّط بعد الذّبح.

ولكن المذياع لم يُفتحْ بل هي خشخشات تعلو أحيانا ثم تختفي. ماذا حصل لمذياعنا الجميل؟

شعُر كمال بحُزْن وهو يتساءل، وخشي أن يُحاسَب ويُتّهم بالتسبّب في العطب.

فرغب أن يُحرّك اصابعه ويضيء فوانيس ذهنه ليصلح الجهاز.

وبدأ بأقرب الحلول شيوعا وهو الضربة الخشنة. فجرّب الأمر ولم يُفلح ..لا شيء حدث.

تفحّص بعينيه جوف الرّاديو، فرأى من الثقوب مُجمّع أسلاك مُعقّدة. أدخل عُود قصب صغير وحرّك بعضها بلا جدوى. ولاحظ أن الفوانيس الدقيقة منطفئة أيضا فقال : يجب أن يشتعل الداخل كي يشتغل الجهاز.

ذهب إلى المطبخ وجلب علبة الكبريت كانت على سطح الرّخام قُرْب الموقد وقال بحماس : لِمَ لا؟

وحكّ عُود الكبريت بالجانب الأسود من العُلبة فانقدحت شُعْلة غليظة من رأس العود. قال وقد لمع وجهه الضاحك كالشيطان في ضوء الشعلة: هذه ستشعل الفوانيس الصغيرة في أحشاء المِذياع وسيدُور مُحرّك الصوت بالحرارة. وسنسمع أخيرا أغانينا الجميلة.

أدخل العُود المشتعل من ثقبٍ وراء الجهاز ورماه رمْية واثقة ثم تأخر قليلا يرْقُب المشهد العظيم وما أبدعت عبقريته الفذّة.

و بدأ الجهاز يُخشْخش فعلا و لكنّ إطاره تحرّك إلى الداخل وانكمش ثم صعد الدخان كثيفا في الغرفة.

فارتعب كمال وأقبلت أمّه بعدما خرج الدخان من النافذة وقد كانت منشغلة بقصعة وضعت فيها الماء والثياب لتغسلها بالصابون وتعْركها بجُمْع اليدين.

وهي فزعة مذهولة ازرقّ وجهها وعلا صوتُها بالعويل كأنها ثُكلت.

 ولم تدْر ما تفعل غير أنها توجّهت إلى كمال تريد هزّه وضربه وعضّه : يا ولد.. لعنة الله عليك ..ليتني لم ألدْك..هل كنت تنوي إحراقنا وقتلنا؟ يا ربي، ليتني عقمت قبل أن أنجب هذه المضغة الفاسدة.

 ولكن الولد أفلت من يدها بأعجوبة عندما رأى شرر عينيها وفرّ لائذا بالشارع.

ووفد الجيران على عجلٍ وهبّوا لإخماد النار التي تعدّت الجهاز إلى الكرسي والقماش فوقه وستائر الغرفة وأوشكت أن تأكل خزانة الكتب والكراسات لولا لطف الله وسرعة الأيادي في صبّ الماء.

وبقي كمال خارج الدار منبوذا مكروها حتى أجارته جارتُه المُدرّسة زينب. وتوسّلت إلى أمه كي تعْفُو عنه وينسى الجميع ما حصل.

ولكن كمالا لم ينس، وبقي حذرا مُحْترسا يجتهد في إرضاء أمّه ...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غبار القلوب

وسيسمة الحدأة الجميلة

السجدة الأخيرة