ابتسامة الصباح

.كعادته كلّ صباح وهو يقترب من المدرسة يمُرّ إلى الدّكّان ويقتني قارورة ماء صغيرة وأحيانا يشتري مِمْحاة سبّورة لم تعُد إدارة المدرسة قادرة على توفيرها وصارت تحُثّ المُدرّسين على تقليل الكتابة على السبورة فقد شحّت الموارد وحان وقت التصرّف الحاذق والادّخار الحسن . كان الإحساس بالبؤس طاغيا في كل الصّباحات. فما عاد ذلك المدرّس الشغوف الحريص على الوقت والمُهمّة المقدّسة. لقد جفّ المعنى و ماعت القيم أمام زحف الشيخوخة وترهّل الجسم وتشتّت الفكر بين انشغاله بالعائلة ونقص الحاجات وغلاء الأسعار وبين حالته المالية المأزومة إذ سرعان ما صارت القروش تذوب ولا تكفي نفقة النصف الباقي من كلّ شهر.. وهو شارد الذّهن والبصرعبر المسلك الضيّق ليصل بعده إلى المدرسة، فاعترضته طفلة تقْضم قطعة خبز مغموسة بالزيت وهي مُشوّشة الحركة، مبعثرة الشعر. كانت تدفع كرة قديمة منكمشة. ودون أن يشعر أويعي ما يفعل وقف فجأة أمامها وحبس الكرة بقدمه اليُمنى وهمّ أن يُراوغها ويُوهمها بأنّه سيخطفها فرفعت رأسها، لا يزال القذى عالقا بعينيها ، ما هذا؟ ما أقسى الأم التي أيقظتها وعجّلت خروجها إلى الدكان دون أن تهيّئها! و لكن انتظرْ! تفحّص وجه البنيّة فأبهرته. يا لسحر عينيْها وبريقهما الطالع كبرق ناعم! و يا لوضاءة وجهها! ثم ابتسمت.. فنسي المُدرّس بؤس الصباح.. كانت ضحكة خجولة مُطمئنّة .. إنّ أمامها مُدرّس ومحفظة وهو في العُرْف أبٌ وعمّ وخال وجارٌ مُحبّ ،حاضن عبقريّ لكل مخاوف الأطفال ومُحفّز لكل أمانيهم وجامع أمين لكل أفراحهم .. فأعاد الكرة إليها وحمل معه الابتسامة واحتضن أملا دفّاقا جدّد دمه ونشّط مشيته. فانطلق حثيثا يعْبُر الزّقاق إلى المدرسة وهو يُتمتم قائلا بنبرة حازمة وحزينة في آن واحد ويُغالب دمعة نفرت وخشي من ورائها فيضان القهر: يجب أن يتغيّر كل شيء من أجلها..من أجل تلك الابتسامة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غبار القلوب

وسيسمة الحدأة الجميلة

السجدة الأخيرة