النادل الأحمر

 

 

النادل الأحمر

 

 

جلب سعيّد قهوته بنفسه. ذلك النادل الشاب الأحمر لا يرغب في أن يلبّي الطلبات للغرباء.

جلس يحتسي قهوته الدافئة يتأمّل الطريق وظلال ماضيه.

وهو لا يرغب في مقام طويل ،فكر في المشي إلى وسط المدينة يجرّب نقرالعدّاد الحائطي للبنك، لعله يظفر بمنحة منْسية أو بتذكير مالي لزيادة قديمة.

ما يجعله مرتبكا مضطرب النفس خائفا هو أن العيد دهمه ولم يحضر بعد لأهله مرطباتهم وثيابهم الجديدة، ولطفله جاسم لعبه وحلواه.

كلّمه صهره في الطريق عن مسألة فانعطف إليه. وجده في مقهى الجمهورية قد أعدّ له كرسيا وقهوة سوداء وورقة عليها قلم أزرق.

طلب منه تحرير شكوى ضدّ جاره. عليه إذن أن ينسى المال والعيد ولهفة جاسم، ويصبّ جهد ذهنه في خطاب مُهمّ سيقدّم إلى القاضي.استمع إلى صهره بانتباه وعرف تفاصيل الحوادث والأخطاء التي اقترفها جاره في حقه وزوجته المريضة وكل الحيّ.

 لقد تعمّد فتح مستودعه لإصلاح أطر السيارات والشاحنات ودهنها، مسبّبا ضجة وتلوّثا خطرا وسط حيّ شعبي ضيق تلاصقت منازله الصغيرة وضاقت على أهلها.

 

 

ودّع صهره بعد أن أنهى كتابة الرسالة. ورجا له إجابة شافية وسريعة. ونصحه أن يدعمها بمحام أوكاتب في المحكمة يتوسط لتقديمها إلى القاضي لعله بوساطته تُقضى حاجته دون تعطيل.

حثّ الخطى إلى حائط النّجاة حيث العدّاد البنكي. وقف في صفّ من رجال ونساء، بدت عليهم علائم الخوف واللجاجة مثله.أقلقته حرارة الجوّ والترقب وآلمته ركبتاه بسبب مرض الروماتيزم. وقد نصحه الطبيب بعدم الوقوف طويلا بل بالمشي عوضا عنه.فظلّ يحرّك رجليه وركبتيه إلى الأعلى كأنه يمشي، فيخفّ ألمه قليلا، ولكن الأمر لا ينفع إذا طالت الوقفة.

وصل إلى الواجهة البلّورية. أدخل البطاقة ونقرعلى اللوحة رقمه السرّي بيد مرتعشة. انتظر. "رصيدك غير كاف لإتمام المعاملة".

وقف قليلا وانتبه إلى أن وراءه خلقا كثيرا،فانسحب باكي القلب.ولم يكن ذلك الجدار غير حائط للمبكى.

لم يفكّر طويلا . لاحلّ له إلا أن يقابل مدير البنك ويطلب سلفة أخرى من أجل العيد.

كانت هناك زحمة.انتظر. وخوفا من تجمّد قدميه وازدياد الوجع في قدميه،استغل طول قامته وطلب المقابلة.

دخل عليه فدعاه للجلوس مرحّبا بحذر وقلق.

 - أريد سلفة من أجل العيد وفرحة الصغار.

- هات الرقم .

عليك ديْنان سيدي. قرض طويل الأمد ومبلغ كبير تراكم من سلفة شهرية. ويجب أن تتوقف عن السحب أشهرا حتى يتخفّف.

 هل لديك مورد أو عمل آخر غير ما تجنيه من مرتب التقاعد؟

- لا .. ولكنه عيد.

 

- سأمكّنك من سُلفة تنفّس عنك قليل الضيق.ولكني أنصحك بالبحث عن عمل آخر. عيدك مبارك .إلى اللقاء.

هدأ قلبه من خفقان الخوف. ودبّ نشاط مفاجئ في ساقيه وارتخت روحه بعد تيبّس من ركض الأماني وكثرة النظر في العتمة.

دخل البيت بأكياس اللحم والغلال وحفنات قليلة من الحلوى وفاكهة العيد، زيادة إلى البالونات ولعبة صغيرة لجاسم. أسرعت زوجته بإخفائها لتُخرجها أقساطا يوم العيد.

ثم اتكأ يشرب أنفاسه ويتصنع ضحكة وطرفة.لن يعود إلى مقهى الحيّ فهناك الشاب الأحمر الذي يهرب منه ويختفي حتى لا يجيب طلبه.

ما هذا الصراخ؟ جاره في الشقّة المقابلة يسبّ الجلالة ويشتم زوجته بفاحش الكلام وصوته حادّ ومزلزل.

يريد أن يُخرجها وابنتيه الصغيرتين. تتوسل إليه وتصيح ابنته وتبكي في وجه أبيها:لا تفعل يا أبي.أرجوك.

 -اخرجي. لا بارك الله لك. فتبكي زوجته وتتوسل ثم تسأله عن قراره:

 -هل أنت متأكد؟ متأكد؟ متأكّد؟

يبدو إن تلك عادته عند سكرته.

قطع الليل يتأفف .أين زائر الليل؟ أين أجدك يا سبات الراحة؟

عاد الضجيج أمام العمارة .كأن المرأة ذهبت بسيارتها إلى الشرطة فعادوا معها ليأمروه بترك الشقة لها وابنتيها.

ركب شاحنته وطار. ثم عاد ليجلس على دكّة أسفل العمارة ويستمرّ في إفراغ نقمته ويتقيّأ.

أما سعيّد فلا يريد أن يذهب إلى مقهى الحي .فهناك شابّ أحمر لا يرغب في أن يجلب له قهوة.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غبار القلوب

وسيسمة الحدأة الجميلة

السجدة الأخيرة