الجنة المهجورة

 

الجنّة المهجورة

 

 

وهو يجُول قُرب ضيعته القديمة شردت عيناه وراء غيمة بيضاء شفّت عن ذكرى وأحبّة ومكان عفيّ وصور لشخصيات لا تزال تتحرّك، تظهر مرّة وتتبخّر أخرى.

كان طفلا شغوفا بالبرّية مُحبّا للتّجوال والسياحة فيها وللصّيد أيضا .

وكان ابن خالته رفيقه في هذا الهوى العجيب. يسكن ضيعة قريبة مع أهله، ويصحبه طيلة العطلة الصيفية جريا وراء الحجل وكُمونا لطائر الحسّون وبحثا عن الأعشاش في فجوات الصّبّار والتين الشّوكي وفوق الأشجار.

ورغم الخيبات الكثيرة فإنّ المتعة كانت أكبر، تكاد تسع السماء وتلتهم كل الأزمان .

ولكن الضيعة بيعتْ وابن خالته وأشقّاءه هاجروا إلى إيطاليا. وها قد اقتحم البنيان هذه البرّية، وزُرع في القلب منها ملعبٌ رياضي يأتيه جمْع من الشّبان الشغوفين.

ولكنّ هؤلاء لا يهدؤون أبدا. إذا انتصر فريقُهم أوخسر،هاجوا وكسّروا الكراسي وملؤوا المدارج وساحة الملعب بالحجارة والعُلب والقوارير الفارغة.

 وإذا هاجمتهم الشرطة تسلّلوا إلى الضّياع وأوغلوا فيها قطفا وقطعا وعبثا وإفسادا.

هاجر ابن خالته وهجر طائر الحجل والحسّون وحتى اليمام البنّيّ هذه المروج والضّياع.ولم يبق غير السكون وحفيف الأوراق بشجر الكلتوس وصيحات الشبان المتعصّبين على مدارج الملعب المزروع في جنّة مغدورة

و متى اشتاق صاحبُنا إلى تغريد الحسّون وألوانه الزاهية يذهب إلى السوق والحوانيت ليسمعه ويراه يُغرّد ويُغنّي أحزانه داخل الأقفاص فُرْجة للمارّة والباعة والعاشقين!

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غبار القلوب

وسيسمة الحدأة الجميلة

السجدة الأخيرة