كرة وألوان

 

الكُرة والألوان      

 

في إحدى المقابلات الرياضية المُهمّة والحاسمة، كان إسماعيل هناك في الملعب بالقيروان. لم يبسط بعْدُ بالعشب الاصطناعيّ  ولم يُرْفق بالأضواء ولا الكراسي . وكانت مدارجُه إسمنتية غير مُريحة .وقد يفضّل أكثر المُشاهدين الوقوف أكثر من الجلوس عليها.

كانت اللعبة حاسمة للفريق الوافد من الساحل وهو الأول في الترتيب، ولكنه مُلاحق بمُنافس عنيد يوشك أن يفتكّ منه جائزته ويبدّد حلم مُحبّيه إذا خسر وأفْلت نقاط الفوْز في هذه المباراة.

 فما كان له من مخْرج  إلا الانتصار في مدينة تفور بالحمية وكثير من العصبية.

كانت أفواج المُشجّعين تفد بالعشرات و المئات من قريب ومن بعيد. وهناك تفرّقوا قسمين غير متكافئيْن. فعلى اليمين تجمّع المئات باللافتات والصور والأهازيج وهم مُناصرو الفريق القيروانيّ ابن المدينة. وقابلهم جمهور من عشرات قليلة لم يملؤوا مدارجهم، ولكنهم ببعض أعلامهم وأناشيدهم لفتوا الأنظار بجمال الانتظام وحسن الاصطفاف. فلا مجال لتفويت الفرصة وإن كانوا في ساحة الخصم ودياره.

أما الفريق الأخضر المخطّط بالأبيض، فلم تكن هذه اللعبة تهمّهم كثيرا في حساب كأس أوبطولة ولكنها تعنيهم من الجانب النفسي والمعنويّ. فهناك مِن قِدَمٍ ثأر خفيّ في السياسة كان يظهر بصلافة وعنف في الملاعب.

فالساحل إقليم محظوظ مُرفّه مُتقدّم عن سائر المناطق في البلاد. إذ تتكدّس فيه الثروة والمصانع والفنادق ومناصب الدولة.

والقيروان مدينة عريقة ويكفيها عزّ التاريخ وبركة من مرّ بها وأسّس. ولكنّ أهلها طالما أحسّوا بالغبن والحيْف لانتشار الفقر وتعاظم ظاهرة النزوح من الأرياف إليها وهجرة الأكابر وأصحاب المال والموهوبين منها بسبب قلّة الفرص السانحة للعيش الكريم.

وفي الرياضة وخاصة لعبة كرة القدم يميل أغلب المُحبين في الجهة إلى تشجيع الفرق الشمالية البعيدة ضدّ الجار الساحلي القريب ولم يكن ذلك من مبعث الاختيار الفني النزيه للأكفإ والأحسن لعبا ومهارات، بل هي خصومة وثارات.

ومرّت أغلب فترات اللعب دون مذاق أوتشويق، إذ حُصرت الكرة بين الأقدام في وسط الملعب ولم تتقدّم إلا في أحيان قليلة بساق "برقو" من القيروان أو"العزّابي" من فريق الساحل بفضل سرعتهما وخفّة حركتهما.

و تأفّف جمهور القلّة و بدأ التوتّر العام بين الفريقين. فهي خسارة لمن يترقّب نقاط فوزه الأخيرة لافتكاك الرتبة والبطولة.

أما الجانب الآخر فأظهرت أهازيجه فرحا بذلك وهو أيضا يترقّب خائفا حتى آخر لحظة. فخسارة الفريق الساحلي يبرّد الخواطر ويشفي غلّة المُتعصّبين وهم كثيرون.

وفي الدقيقة التسعين وبعض الثواني الأخيرة من الدقيقة تسنح لأحد المهاجمين الحُمْر فرصة ركل مُريحة من فجوة بين السيقان المختلطة والمرتبكة، فيدفعها برفْق لم يتوقّعه الخصم وتدخل الكرة إلى المرمى أمام أعينهم.

 لحقها لاعب دفاع وسحبها من بعد خطّ المرمى بسنتمتر تقريبا ولكنّ حكم المقابلة احتسبها هدفا. فأنكر عليه اللاعبون الخُضْر وهاجوا. وانتفض من ورائهم جمهورهم وتعالى الصراخ والهتاف والسّباب.

 ولكنّ الأمر قد حُسِم. واختلطت الأجواء بين شهقات بكاء وبين صيحات فرح. وتعجّب إسماعيل لمرأى شرطيّ لحظة النهاية يحضن طالبا كان بجانبه ويبكي وقد تبع معه المباراة ولكنه عجز أن يُخْفي حبّه لفريق الحمر الساحليّ : فُزْنا بالبطولة.. فُزْنا.

وقفز قفزتين ومسح عرقه وهو يشهق ويضحك ويبكي.

وانتهت المباراة وثار غبار الملعب بين فارّ من شرطة وعصيّها وبين هارب من حجر التعصّب والنقمة.

وسهرت أضواء الساحل كالعادة وصخبت الفنادق بالرقص وقرع الكؤوس وفار البحر بدفء النصر وحرارة النّشوة. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غبار القلوب

وسيسمة الحدأة الجميلة

السجدة الأخيرة