المحفظة الزرقاء
المحفظة الزرقاء
أرسل الهدايا كما تعوّد لأخيه وأهله
المدلّلين. ولكنّ زوجة الأخ رفضتها هذه المرّة. لماذا؟ ماذا حدث حتى تُردّ على
الغالي هداياه؟
كانت الجدّة علجيّة غاضبة ومُحتارة. سأل رائد
عن محفظة مدرسية جميلة سلبت لُبّه، إذ لم ير مثيلا لها في المراكز التجارية ولا في
المكتبات التي تحتفي بها أنواعا وأشكالا وزينة وأسعارا. هذه المحفظة الزرقاء ذات
الجيوب الواسعة والجوف العميق والسلسلتين اللامعتين، كفيلة بجمع كل لوازمه
المدرسية من كتب وكرّاسات. وسيشتري من أجلها حافظة أقلام في مثل جمالها وزينتها
المبهرة.
لِمنْ هذه يا جدّتي؟
ردّت بحنق ونفور كأن صداعا أصاب رأسها وثقل
على لسانها الكلام: ما شأنك أنت؟ هي لحفيدي العزيز فهد ابن خالك. جلبها له عمّه من
فرنسا كي يدرس وينجح. ولكن أمه أبت أخذها. لا وفّقها الله.
وطفقت تسبّ أباها وعشيرتها. ثم التفتت إليه
تنهره : دعها أنت. سيأتي عزيزي ويأخذها رغما عن أمه. قل لأبيك أن يشتري لك محفظة
أخرى. كفاكم طمعا.
فسكت رائد وأحسّ بالخذلان والحقارة. وقال في
نفسه وقد تمدّد في الغرفة على السرير القديم: وأنا ألستُ حفيدك أيضا وعزيزك؟ آه..
هناك فرق .نعم. فهد ابن خالي، ابن الغالي كبير العائلة وسيدها بعد أبيه. وهو عمود
الخيمة وفخر العشيرة كلها. أما أنت يا رائد فابن البنت خادمة البيت، المنظفة،
الطاهية بلباس المطبخ الملطخ بالدهون وأثر الدخان الأسود وصاحبة الوجه الشاحب
الذليل. والتي تنتظر بفرح الطفولة أو العبيد كلّ صيف فُتات الهدايا الرخيصة، بعض
الحلوى وسقط الثياب التي حال لونها حتى صار باهتا وحقيرا.
عقل الجدة قديم، وصعب محاورته إلا إذا تنحّت
مواقف المفاضلة مثل هذا الموقف. فهي حارسة القوم وبركة العشيرة.
إذن لماذا رفضت السيّدة الكنّة هذه الهدية؟
سيراقب رائد أطوار الحكاية. لا تزال في نفسه
غاية مُلحّة ومشتهاة. وهي أن يحصل على المحفظة الزرقاء. هي أيضا لا تزال على
الطاولة في الغرفة الكبيرة ذات السقف المقبّب والسرير القديم.
كلّم أمه. وربّما جرؤت وكلّمت أمّها علجيّة.
فأبت ولم تخبره عن عنادها. هي لفهد. انتهى الأمر.
لم ييأس وظلّ ينظر إلى المحفظة الزرقاء حالما
بحملها في يده وهويطوّح بها بين رفاقه ويقول بثقة وعزّ: إنها من عند خالي جلبها لي
من فرنسا. كان خاطرا سحريا لذيذا. وظلّ رائد يدعو بقلبه الجامح أن تبقى زوجة خاله
أم فهد على رفضها قبول الهدية.
مرّ شهران على بداية العام الدراسي ولم
يأخذها أحد.
ولم يعد رائد اليوم يذكر من سمح له بأخذها،
خاله، جدته، أمه .. لكنه أخذها أخيرا.
وضع فيها كتبه وكرّاساته وحافظة الأقلام
وأدوات الهندسة وخرج يتبختر أيام أسبوعها الأول يدفع بخيلاء صدره ويعدّل خطواته
على حركة يده وهي تحمل أغلى الهدايا. إنها المحفظة الزرقاء.
وفي فاتحة الأسبوع الثاني، ولم يمش بها
خطوتين حتى رأى كل أثقالها على الأرض.
أُسْقط في يده وصاح: أأجاهد شهورا من أجل سقط
المحافظ؟ يا لحزني. وبكى رائد بحرقة المخذول وذلّة المهزوم.
عاد إلى غرفته. رماها وأرجع كتبه وكراساته
إلى محفظته القديمة. ونظر إليها كالمعتذر قائلا: أرأيتِ؟ احتقرتك فاحتقروني.
تعليقات
إرسال تعليق