صديقي الوسيم
رأيتُ صديقي الصّحبي في الحُلم شابّا وسيما، بريء الوجه، بحيويّته
المعهودة. لبس الأسود ومشط شعره إلى الوراء . وبدا في سحنته القديمة غليظ الحاجبين
أسودهما.
كان فصيح اللسان،رخيم النبرة، طويل القامة، خفيف الظلّ، محبوبا لمن خالطه،
اتفق معه أوعنه اختلف.
كان في الحُلْم مُحاورا إذاعيا، أجلسني قُبالته على كرسيّ خشبيّ عاديّ وبدأ
يُخاطب ويسأل فنّانة مُمثلة معروفة.
كنت أنتظر واجف القلب توجّهه إليّ
ليسألني، ولكنه لم يلتفتْ، وتناساني إذ رأيتُه ينظر إليّ بطرُفٍ خفيّ ويتشاغل
بحديث غير مهمّ مع تلك الفنّانة.
ولمّا لمّحْتُ له باستعدادي لقبول أسئلته، أشاح
بوجهه مرّة أخرى وانشغل بالمُمثلة العجوز حتى انتهى زمنُ الحصّة ورفعت شارة
"الجينيريك"ولم أتكلّم! إذن لماذا دعاني
صديقي الصحبي للمقابلة؟
عجبتُ منه وسألتُ عمّا شغله عني وهو الودود عادة معي. انتهت الحصّة
والصّديق الصّحبي عالقٌ مُسمّر بجانب العجوز رحمها الله وفهمتُ بأنه غاضبٌ من أمرٍ
رآه مني. ودعاني ليعاتبني. ولكن ما هذا العتاب الصامت؟
وسألت نفسي بعدما أفقْتُ في صباح الخيبة والحنين: ما العلاقة بين حلمي
والميّتيْن رحمهما الله؟ ولماذا أخذ الصحبي مني مسافة وابتعد عني إعراضا؟
صديقي رفيق الجامعة وشريك غرفة المبيت الجامعي لسنتيْن. اختلفنا في الطباع
ولكنه كان أقرب الرفاق إليّ في المصلحة والنصيحة.
كانت له كُرّاس خاصة تعوّد أن يكتب فيها على فراش نومه ويسجّل ما صنع في
يومه وما واجه. وقال إنها عادتُه منذ المرحلة الثانوية. فهي كُرّاس مُذكّراته
ومخزن ماضيه وحاضره وكل أحلامه. وشّاها بالورود والقلوب الحمراء التي تخترقها
السّهام وتقطر دما وأشواقا.
كان مُعتنيا جدّا بهندامه رغم بساطته. ويفتخر بأنه ابن فلاح،عملُه تنقية
أشجار الزيتون وحراثة الأرض وحصاد الزرع بالأجرة.
وكان الصحبي يحْلق ما ينبت من شعر في وجهه كل أسبوع مرّة أومرّتيْن بسبب
غزارته وسرعة نباته ونموّه، وكثيرا ما كان يهتمّ بتصفيف شعره فينساب إلى الوراء
نظيفا لمّاعا بطبيعته.
ويخطر له أحيانا في بادرة جماعية مع خلطائه أن يُعْفي لحيته ويسرّحها
بالمشط ويحفّ منها الزوائد فلا تهبط إلى عنقه أوتبتعد عن فكّيه العريضين. ثمّ ينتف
بالملقط شعرات متناثرة على الوجنتين فتبرقان ويشعّ وجهه.
ولا يفعل ذلك التزاما بسُنّة وتيار. فهو لا يصلّي مع تقديره للدين وأهله،
إذ صحبتُه مرّة في نهج عتيق بوسط المدينة، فنادانا فجأة رجل صوفيّ أمام مسجد صغير
وتودّد إلينا يحُثّنا أن ندخل ونصلّي المغرب جماعة معه فاستجاب الصحبي قبلنا
وتبعناه.
فهو يفعل في نفسه ما يراه لائقا وجالبا للهيبة.
وكثيرا ما أراني خطه في الكرّاس واستغربت لعنايته. فهو يكتب بطريقة قديمة
اسمها الكوفية. تعوّد الكتابة بها منذ الثانوي وحفظها عن أستاذ اللغة العربية الذي
طالما مدحه وأثنى عليه ثناء عظيما. وكم أبهرني ذلك الخطّ فكأنه رسم بريشة رسّام
محترف وعاشق!
كان الصحبي يعتبر أستاذه مثله
الأعلى وقدوته في المنهج والفكرة وحبّ الأدب وحتى في طريقة تصفيف الشعر.
أما قصته العاطفية فيمكن أن تكون نسخة أصيلة من حكاياتنا العربية القديمة
في الحبّ العذريّ والالتزام برباط المودّة مدى العمر.
إذ تعلّق بفتاة رافقها فلزمت ظلّه في المعهد. وحزن كثيرا لعدم توفّقها في
النجاح. وقد تواعدا من قبلُ على المُرافقة الجامعية حتى التخرج.
لم تُطقْ العودة إلى المعهد ورفيقها غائب عنها. فدخلت إلى إحدى الإدارات
مُوظفة بأحد شبابيكها. وأعادت الاختبار بصفة حرّة في الباكالوريا، ونجحت بعد
دورتين فلحقت بصديقها الوسيم ولكن بشُعبة الفلسفة.
وعلمْتُ بعد سنوات أنهما تزوّجا واستقرّا على هناء ووئام بمدينة قريبة.
ولكنّ أحد الأصدقاء أخبرني بأنه رآه على هيئة مُختلفة جدا بعد سنوات طويلة
من الغياب والافتراق. فقد سمن كثيرا وصار شبيها ببرميل يتدحرج في الطريق ببطء شديد
يحتاج دائما إلى من يدفعه من الخلف.هل تصدّق؟
وقد ظهرت له لحية بيضاء تدلّت إلى صدره وقال: لقد تصوّف صاحبك الصحبي
أو"تسلْفن" وصار تابعا وفيّا للتيّار السلفي!
واشتكت زوجته رفيقته في العشق والصبر من تضييقه على أهله في كل شيء، حتى
إنه منع عنهم فتح التلفاز.
وتوُفّي الصحبي الوسيم رفيق الجامعة في حادث طريق وهو على دراجته النارية،
إذ صدمته سيارة تقودها امرأة قيل إنها قاضية أو محامية.
رحم الله صديقي الصحبي وتقبّله في الصالحين.
وغفر لي إذ لم أحضُر جنازته ولم أكن من حامليها المُرافقين. ولعلّه أرسل
إليّ عتابه في غفوتي.
تعليقات
إرسال تعليق