جمرة على وجع قديم

                                                             

جمْرةٌ على وجعٍ قديم

                    

 

كانت قرّة عين أبيها، شعلة وقّادة من حبّ وحركة. تراقب غدوّه فتشدّ السّرج على فرسه، وتضع الرّكاب، وتربط منديلا فيه أكله وشرابه إلى الجراب الجلديّ على جانب السّرج. وعند رواحه من سوسة حيث كان يعمل عون حرس في محكمة الولاية، تهيّء له ماء غسله الدافئ ومتّكأه بعد أن تأتيه بطبق العشاء والشراب، ثم تذهب بالدابّة لتضع لها علفها وماءها.  

كان يسمّيها أيضا "سي" رقية الصّنديدة، الجريئة في الحقّ، الشّجاعة المقدام عند الخوف والمواجهة. وما كان همّها رئاسة أووجاهة وما كانت فرادة في طبعها، وإنما هي الصبيّة والأخت الكبرى وسط إخوة صناديد أيضا.

مات أبوها جدّي صالح وأوصى ب"سي" رقية:

 لا تؤذوها ولا تحقروها واسمعوا منها. إنها درّة العائلة وخيمتها الأصيلة.

وهي ترمُقني الآن بعيون زهرية تركُض في بحرها النّجمات. وفي النّظرات سِرب من  الكلمات تسبح كالأقمار المطمئنة.

وختمت رحلتها معنا بالحزن والرضى، ونامت جذلى بعد أن أكملت سفرها الطويل مع  التعب والبطولة.

وبعد جريان الرّحمات غزيرة من العيون الكليلة رأيت في الأفق عقدا يحضن جمرة المرجان. وفي سماء قريبة وصل النّفَس منّي إلى ذرْوة ما يطيقه الصّبر.

  فأعلنْتُ التوقف من أجل الحنين.

 أحنّ إلى أمّي سيّدة الحزن وامرأة الضباب الحالم وعاشقة الحياة عشقا صوفيا.

فلكم شُغفتْ بحبّنا، وكم كان دمعُها دفّاقا عنيدا في زمن الضعف والاِمّحاء والعزلة كانت تقول ووجوهنا صامتة كالجدار ميّتة باردة كالرّخام:

  "نحبْكم صيودة يا أولادي".. كونوا أسودا!

 كم وقفت أمام ليل العسس من أجل طِفليْها وابتسمت تضيء القضبان بعينيها وظلمة الأقفاص. وتتلمس الوجوه البريئة فتمرّر يديها على الحديد شوقا. كانت تغدو وترُوح دون همّ بالرّيح والبعد في برد الشمال تارة وفي حرّ الجنوب طورا.

 ولطالما أحسسْتُ قهرها السّحيق وخشيتها أن تأكل الزنزانة عُمْر الولد.

 حتى صارت تبصر الذئاب بعد العمى تعْوي في وجه القمر. وتسمع في ليل النيام نباح كل الجروح في جلدها. فكم صرخت وولولت تلحّ مرّة على أحبابها وتدعو الله مرّة، حتى جفّ منها الحلق وخَفَتَ في صدرها الصوتُ.

ورغم التعب وصراخ النّقمة في الليالي الحالكات، ورغم الوجع والحرمان، رأت  ضمائر المدينة  تصحو فسكتت عن الشكوى. ولم تُرِد امرأة الضباب وعاشقة الحياة  أن ترحل  بسخط  النّقمة وغضب الأرحام فقالت: "لا تثريب عليكم اليوم. يغفر الله لكم".

 ثم رحلت وروحها تحضننا بدمعة حالمة ووعدٍ بالفرح.

رحم الله امرأة الضباب، صاحبة القلب الصّوفيّ وأمّنا، أمّ أبيها "سي رقيّة".

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غبار القلوب

وسيسمة الحدأة الجميلة

السجدة الأخيرة